السيد كمال الحيدري

333

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

القرآن الكريم جاء لِيُحارب هذه النزعة التعسّفية التي تحاول أن تلغي إرادة الإنسان ومشاعره ، والتي تريد أن تجعل منه ظلًا ليس له إلا المتابعة . ومن هنا تفهم درجة حمق الطغاة الذين يُلزمون رعيّتهم بالمتابعة في منظوماتهم الفكرية وتعاليمهم الحزبية ، ولعلّ خير شاهد تأريخي على كون المتابعة بدون اعتقاد حقيقي كيف تسهم في قلب الموازين ونشر الانحراف والضلالة في الأُمّة ، الطلقاء الذين أسلموا عنوة ، أعلنوا إسلامهم الصوري لحفظ أنفسهم وأموالهم ومناصبهم وبقية امتيازاتهم ، . . . وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . ( الحجرات : 14 ) ، فكانوا أوّل المنقلبين على الإسلام والمُناوئين له « 1 » ، بخلاف الذين دخلوا الإسلام حبّاً ورغبة ، فقد عاشوا وماتوا للإسلام ، وإذا ما صدرت منهم بعض الهنات فلا لبغض بالإسلام البتّة ، وإنما لتحاسد وقلَّة وعيّ ، أو لأُمور أُخرى كحبّ السلطة والحكم ، فأخطأوا من حيث سريان حبّ الدنيا إلى قلوب بعضهم ، لا من أجل تآمرٍ وبغضٍ دفينٍ وثارات قديمة على الإسلام والمسلمين ، ونعمَ القول قول أمير المؤمنين علي عليه السلام في ذلك : ( ليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ) « 2 » ، حيث عني بالذي طلب الباطل فأدركه معاوية بن أبي سفيان . إذن ، فالإشكال وارد على أصل الموضوع ، ولكنه منفيّ للسبب الآنف

--> ( 1 ) حتى أنَّ زعيم الطلقاء آنذاك أبا سفيان جاء إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهو يبتغي إيقاع الفتنة وتقسيم الأُمّة قائلًا له : ( ما بال هذا الأمر في أقل حيٍّ من قريش ، والله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلًا ورجالًا . قال : فقال علي : يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئاً ) . انظر : تأريخ الطبري : ج 2 ، ص 449 . ( 2 ) من الكلمات الخالدة لأمير المؤمنين عليه السلام . انظر : نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد : ج 5 ، ص 78 ، رقم : 60 . .